أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
64
التوحيد
واحتمال وسعه ذلك بما وعد اللّه له في الآخرة - رجع عما كان عنده وآمن بالذي قال : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] ، وإن كان في أصل إيمانه داخلا ، على نحو إحداث المؤمنين الإيمان بكل آية ينزل وبكل فريضة تتجدد ، وإن كانوا في الجملة مؤمنين بالكل ، واللّه الموفق . وقد بيّنا ما قال في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : والأصل في الكلام أنه إذا كان على أمر معهود أو يقرن به المقصود إليه صرف عن حقيقته وإلا لا ، نحو قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : 45 ] و أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ [ الفيل : 1 ] ، وأصله أن من قال : رأيت فلانا أو نظرت إلى فلان لم يحتمل غير ذاته ، وإذا قال : رأيته يقول كذا ويفعل كذا أنه لا يريد به رؤية ذاته ، فمثله أمر قصة موسى عليه السلام وهذه الآية . ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكر عرف أنه مشبّهي النّحلة ؛ لأنه لم يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط ، إنما أخبر أنه كذلك وجد ، وهو قول المشبّه إنه وجد كل فاعل في الشاهد جسما ، وكذا كل عالم ، فيجب مثله في الغائب . ثم ذكر معنى رؤية الجسم ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى يكون له دليلا . وبعد ، فإنه نفى بالدقة والبعد ، وهما زائلان عن اللّه سبحانه ، ثم احتج بامتداح اللّه بقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، وقال : لا يجوز أن يزول ، فمثله عليه في قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] ، وقوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ هود : 4 ] ، فلا يجوز أن يزول . ثم قد وصف اللّه بالرؤية على إسقاط ما ذكر ، فثبت أن ذلك طريق لا يؤدّى على كنه ما به الرؤية . فإن قيل : كيف يرى ؟ قيل : بلا كيف ؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة ، بل يرى بلا وصف قيام وقعود ، واتكاء وتعلق ، واتصال وانفصال ، ومقابلة ومدابرة ، وقصير وطويل ، ونور وظلمة ، وساكن ومتحرك ، ومماس ومباين ، وخارج وداخل ، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك . [ شيئية المعدوم عند المعتزلة والإجابة عنها ] قال الفقيه رحمه اللّه : ثم نذكر طرفا مما يدل العاقل على مذهب الاعتزال في أصوله ، ومضاهاتهم أهل الأديان ؛ ليعلم المتأمل أن مذاهبهم نتيجة مذاهبهم . قالت المعتزلة : المعدوم أشياء ، وشيئيّة الأشياء ليست باللّه ، وباللّه إخراجها من العدم إلى الوجود . قال أبو منصور رحمه اللّه : فعليهم في ذلك تحقيق الأشياء في الأزل ، لكنها